حميد بن مخلد بن قتيبة الأزدي الخراساني ( ابن زنجوية )
509
كتاب الأموال
فإنّهم قد أنكروا خرص الثمار للصّدقة ، مع كثرة الآثار في ذلك بوجوه قالوها : منها أنّهم قالوا : إنّ الخرص من المزابنة في البيع وقالوا أيضا : هو كالقمار والمخاطرة التي لا يدرى فيها أيّ الفريقين يذهب بمال صاحبه ، وقالوا : إنّما كان الخرص للنّبيّ خاصّة ؛ لأنّه كان يوفّق من الصّواب لما لا يوفّق له غيره ، وقالوا كذلك : القرعة لا تجوز لأحد بعد والخرص والقرعة سنّتان ماضيتان قد عمل بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعملت بهما الأئمّة والعلماء بعده ، فأمّا تشبيههم الخرص بالمزابنة في البيع ، وإبطالهم إيّاه في الصّدقة من أجل البيع ، فإنّ شرائع الإسلام أمّهات لا يقاس بعضها ببعض ، لأنّ لكلّ واحدة منهنّ حكما غير الأخرى ، ولو احتجّ محتجّ على قائل هذا فقال له : إن جاز لك أن تجعل البيع أصلا تقيس عليه الصّدقة ، فإنّي أجعل الصّدقة أصلا أقيس عليه البيع ما كان دعواهما إلا واحدا ، وكلاهما كان أخذ في غير الصواب وأمّا قولهم إنّ الخرص كالقمار والمخاطرة ، فإنما قصد بالخرص قصد البرّ والتّقوى ، ووضع الحقوق في مواضعها ، وقصد بالقمار قصد الفجور والزّيغ عن الحقّ ، وأخذ الأموال بالباطل ، فكم بين هذا وذلك ؟ ومتى يستوي الغيّ بالرّشاد ؟ مع أنّ الذي جاء بتحريم القمار والمزابنة في البيع هو الذي سنّ الخرص وأباحه وعمل به ، وكفانا وإيّاهم مئونة النّظر في ذلك ، فما جعل قوله هناك مقبولا ، وهاهنا مردودا ؟ وأمّا قولهم إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يوفّق من الخرص والقرعة لما لا يوفّق له غيره ، فإنّ من الحجّة عليهم أن يقال لهم : وهل شيء من الأمور سوى هذين يوفّق النّاس له كتوفيق النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذا خصّصت له هاتين الخصلتين دون سائر الأشياء ؟ ولو كان النّاس لا يجب عليهم اتّباع الأنبياء إلا في ما يعلمون أنّهم يسدّدون لصوابه كتسديد الأنبياء وإلا اجتنبوه لوجب على النّاس إذا ترك الاستنان بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولزمهم اجتناب أموره وأحكامه ، لأنّ العقل محيط بأنّ من يأتيه وحي السّماء وأخبارها بعيد الشّبه ممّا يغلط على علم مغيّب ، ولكنّ الذي يجب عليهم وعلينا إحياء سنن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم واقتفاء أثره والاهتداء بهديه في تغليظ ما غلّظ ، وتسهيل ما سهّل ، واللّه وليّ ما غاب عنّا من ذلك .